أحمد بن محمود السيواسي

143

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 56 ] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) ( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ) أي على دينكم الإسلام في السر كما في العلانية ( وَما هُمْ مِنْكُمْ ) أي ليسوا على دينكم في السر وهم كاذبون في حلفهم ( وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) [ 56 ] من الفرق وهو الخوف ، أي يخافون القتل والسبي فيتظاهرون بالإسلام لذلك وأسروا النفاق . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 57 ] لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) ( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ) أي ما يلجأ إليه الرجل عند خوفه ( أَوْ مَغاراتٍ ) جمع مغارة ، وهي كالغار في الجبل ، وأصلها ما يغاب فيه ( أَوْ مُدَّخَلًا ) أي موضعا يدخلونه بضم الميم وتشديد الدال « 1 » ، أصله متدخلا مفتعل ، من الدخول وهو السرب في الأرض ( لَوَلَّوْا ) أي لانصرفوا وذهبوا عنك ( إِلَيْهِ ) وتركوا منفردا ( وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) [ 57 ] أي يسرعون في المشي إليه لا يردهم شيء من قولهم هذا فرس جموح إذا لم يرده اللجام في عدوه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 58 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ) بضم الميم وكسرها « 2 » ، من لمز إذا عاب ، أي يعيبك ويطعن عليك ( فِي الصَّدَقاتِ ) نزل فيمن طعن النبي عليه السّلام في قسمة الصدقات والغنائم ، فقال : اعدل يا رسول اللّه وهو ابن ذي الخويصرة التيمي ، فقال : ويلك ، ومن يعدل إذا لم أعدل ، فقال عمر : يا رسول اللّه أتأذن لي أن أضرب عنقه ؟ فقال : دعه حتى لا يقال يقتل محمد أصحابه « 3 » ( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها ) أي من الصدقات ( رَضُوا ) بالقسمة ( وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها ) لحكمة يعلمها اللّه ورسوله ( إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) [ 58 ] أي فاجؤوا ، ف « إذا » للمفاجأة بمعنى فاء الجزاء ، والعامل فيها « يَسْخَطُونَ » ، والحكمة : أن رسول اللّه استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه فوصفهم اللّه بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 59 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) من العطية والرزق ( وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ) أي كافينا اللّه وعليه ثقتنا ( سَيُؤْتِينَا اللَّهُ ) أي سيعطينا ( مِنْ فَضْلِهِ ) أي من رزقه ( وَرَسُولُهُ ) من الغنيمة أكثر مما آتانا اليوم إذا كان عنده سعة ( إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ) [ 59 ] أي إلى رحمته راجون فيغنينا عن الصدقات ، وجواب « لو » محذوف وهو لكان خيرا لهم من الطعن عليك . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) ثم بين مصارف الصدقات بالاختصاص ليخرج اللامزين بالنبي عليه السّلام عن استحقاقها بقوله ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) وهم الذين لهم أدنى شيء ( وَالْمَساكِينِ ) وهم الذين لا شيء لهم منه ، وأبو حنيفة يعكس التفسير ، فيعطي الشافعي منها من ليس له كفاية سنة ، ويمنعها أبو حنيفة عمن يملك مائتي درهم ( وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ) وهم الذين يجبون الصدقات من أهلها فيعطون على قدر عمالتهم وإن كانوا أغنياء لا على قدر حاجتهم ، وقيل : « لهم الثمن » « 4 » ( وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) وهم الذين تستألف قلوبهم لتقوى على الإيمان بالإعطاء منها ، وقيل : من يتقى شره من الكفار لقلة من المسلمين وكانوا رؤساء في كل قبيلة ، منهم أبو سفيان وأقرع بن

--> ( 1 ) « مدخلا » : قرأ يعقوب بفتح الميم وإسكان الدال ، والباقون بضم الميم وفتح الدال مشددة . البدور الزاهرة ، 137 . ( 2 ) « يلمزك » : قرأ يعقوب بضم الميم ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 137 . ( 3 ) عن أبي سعيد الخدري ، انظر الواحدي ، 210 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 65 - 66 . ( 4 ) عن الضحاك ومجاهد ، انظر البغوي ، 3 / 69 .